الاضطرابات الجنسية عند التونسيين

0 225

هشام الشريف
دكتور في الجنسانية البشرية
مختص في علم الجنس و الوفاق الأسري
عضو الجمعية الدولية للصحة الجنسية
معتمد لدي المعهد الأمريكي لعلماء الجنس

 

عادة ما يعرف الرجل في ثقافتنا الجنسية التونسية و العربية  عموما إلا بالفحولة . ففي العديد من الحالات يلجأ الرجل إلى المختص في علم الجنس فيعترف له بأنه فقد القدرة على الانتصاب، وهذا الأمر يساوي فقدان الروح، أو فقدان الرجولة، وهناك تعبيرات كثيرة من هذا القبيل تعبر عن معاناة الرجل العاجز.
فقدان الانتصاب عند البعض يوازي فقدان الرجولة والبعض لا يحتاج إلى عقاقير مقوية لكنه يلجأ إليها في إثبات فحولته… في علم الجنس، الحقيقة الوحيدة التي لا يعارضها المرء هي أن الإخلالات الجنسية والاضطرابات الناتجة عن الجنس هي واقع و ليست بوهم، هناك حالات تتعلق بالعجز الجنسي، والانتصاب، وفتور الشهوة والرغبة، والقذف السريع، فضلا عن مشاكل الإيلاج يمكن لعلم الجنس و الطب و الطب النفسي المتخصص في الجنس أن يفكوا شفرتها.
إن الاضطرابات الجنسية بتونس متعددة قد تصيب المرأة أيضا، كما قد تصيب الرجل. إلا أن 65 في المائة من الحالات توجد لدى الرجال بشكل خاص. ومن بين أهم الاضطرابات الجنسية التي يعانيها الرجال هي القذف المبكر أو السريع (ejaculation précoce) ضعف الرغبة الجنسية (libido) ومشكل الانتصاب .(érection)
من بين المشاكل أيضا التي يعانيها الرجال كثيرا كما قلت سلفا، هناك القذف المبكر. وحسب آخر بحث قمت به شمل رجال من سن 18 سنة الى سن 60 من كامل الشرائح الاجتماعية موزعين على كامل تراب الجمهورية، فإن 6 رجال من أصل 10، لهم مشاكل تتعلق بالقذف المبكر أو السريع، بمعنى أن 60 في المائة من الرجال في تونس يعانون من هذا المشكل الجنسي. غير أن الرجال عادة ما يتعاملون باستصغار مع هذا المشكل طالما أنهم خلال العلاقات الجنسية يشبعون رغبتهم، في حين لا يكترثون بالمرأة إن كانت قد أشبعت رغبتها أم لا… و هذا يعتبر اهانة لكائن رقيق و حساس كالمرأة !!!
الاضطرابات الجنسية لا تهم الرجل وحده، بل تهم أيضا المرأة. والحالات التي تعاني منها عادة المرأة ترتبط بمشاكل الرغبة الجنسية الناتجة بالأساس عن الاكتئاب، وانعدام الشهوة، والشعور بالألم عند الإيلاج (dyspareunie)، أو الخوف من الإيلاج (vaginisme).
وهنا يطرح مشكل عدم افتضاض الرجل لبكارة زوجته و في حالات أخرى عدم معاشرته لها لمدة شهر أو عدة أشهر… أو ربما سنوات خوفا من ايذاء الشريكة نفسيا و جسديا غير مكترث أنّ ذلك سيصيبه باضطراب جنسي آخر مهم وهو فقدان الرعبة أو مشكل القذف السريع. وبالرغم من تعدد الأمراض والاضطرابات الجنسية، إلا أن أهم الأسباب وراء تلك الاضطرابات، ليست عضوية بل يرتبط كثير منها بالحالة الجنسونفسية للمريض أو الشخص. بمعنى أن أغلب المشاكل الجنسية هي مشاكل جنسونفسية، باستثناء بعض مرضى السكري أو بعض الحالات التي يكون فيها المريض يعاني مشاكل فيزيولوجية. وبالتالي فإن عدم فهم هذه المسألة يجعل العديد من الناس يلجؤون إلى الطبيب المباشر لهم من أجل أن يقدم لهم وصفة لعقاقير مثل الفياغرا أو وغيرها… الّتي تبقى في الأخير حسب علماء الجنس سوى “مسرّع للإنتصاب” (accéllérateur d’érection) .
إن التمييز بين الإصابات الناتجة عن مشكل جنسونفسي أو عن مشكل فيزيولوجي مهم بالنسبة للمعالج، فالطبيب المباشر عليه أن يتفادى إعطاء هذه العقاقير لمرضاه إلا في الحالات التي يكون فيها المشكل فيزيولوجيا. خاصة أن هذه العقاقير المتواجدة في السوق التونسية هي خطيرة، ويمكنها أن تؤثر سلبا على القلب مثلا، ولكن لا يتورع البعض من الأطباء في وصفها لمرضاهم دون استشارة طبيب القلب و الشرايين مثلا… فالتشحيص الّذي سيقوم به هذا الأخير مهم جدّا لتناول تلك العقاقير !!! تجارة هذه العقاقير تدر أرباحا كبيرة على الشركات المصنعة لهذا النوع من الأدوية، فضلا عن أن الصيدليات تجني تقريبا 30 في المائة كهامش للربح عند بيع تلك الأدوية. وبالتالي فلا غرابة من أن تباع مثل العقاقير بدون الحصول على وصفة طبية. ينضاف إلى ذلك مشكل الفوضى الذي يعرفه قطاع الأدوية ببلادنا، فالعديد من الأدوية المهربة تباع في السوق السوداء وهذا خطير جدا مثل المخدرات، وهي عقاقير مزورة وتباع باسم أدوية الجنس مثل الفياغرا الصينية الصنع.
هناك فكرة مغلوطة تنسج حول الأدوية المتعلقة بالجنس، وبقدرتها على مد الجسم بطاقة لا نهائية ولا محدودة. العديد من الناس يعتقدون أن هذه العقاقير تكثر أو تقوي أو تعطي الشعور الجنسي اللاّزم لإنجاح لقاء جنسي حميمي، في حين أن الواقع هو أنها تساعد على الانتصاب و تسرّعه كما قلت سابقا. هناك من يستعملها وهو غير محتاج إليها مثل الكثير من الرجال، لأنهم فقط يريدون أن يحسون بفحولتهم أكثر، وتساعدهم على أن تكون لهم علاقات جنسية متعددة ومتتالية. وتزداد خطورة هذا الوهم لدى الشباب (20/ 27 سنة) الذين يقبلون بكثرة على هذه الأدوية في غياب أي تعاط علمي وطبي معها. فغالبا ما يتعاطى الشباب الخمر في السهرات، والمعروف أن الإكثار من الكحول يمكن أن يؤدي إلى ارتخاء الأعضاء التناسلية، وبالتالي فإنهم يلجؤون إلى تعاطي مثل هذه العقاقير من أجل معالجة هذا الارتخاء… غير أنّ الرجولة و الفحولة الحقيقية لا تقاس بحبّة دواء بل بالمعاملة الحسنة و إحترام الجنس الآخر…
إن ارتباط العقاقير والأدوية الجنسية في الخيال الشعبي بالرجولة والفحولة، غالبا ما يخلق ارتياحا نفسيا لدى الفرد. فهناك أشخاص يكونون غير واثقين في أنفسهم وليس لديهم أي مشكل فيزيولوجي، ولكن لهم مشكل نفسي يمكن أن يؤدي إلى خلل في الانتصاب. وطالما كانوا يملكون تلك الأدوية، فإنهم يحسون بالأمان، وبالتالي يصبحون مدمنين على مثل هذه العقاقير خاصة الشباب الذين يرغبون في إبراز فحولتهم أمام الجنس الآخر.
فتناول تلك العقاقير يصبح غالبا بدون شعور…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.