فقدت شعري ، ولَم افقد املي …

0 10٬452

 

صحتك بين ايديك : فاطمة الجمالي 35 سنة..صحفية ومذيعة تونسية مقيمة بالامارات العربية المتحدة ، سيناريست افلام وثائقية،في رصيدها ثلاثة افلام ،فاطمة شابة محبة للحياة مبتسمة على الدوام ، لم يتصور احد انها اصيبت بالسرطان حتى ان من يعرفها لم يشعر انها مرضت لانها تغلبت عليه وعادت بسرعة الى وتيرة حياتها اليومية ، وارادت ان تكتب هذه الكلمات لتنشر الامل بين فاقديه من ابتلى بهذا المرض الخبيث  
 

بعد قضاء أسبوعين من الأخذ والرد والزيارات المتكررة إلى المستشفى نتيجة لآلام غير مفهومة على مستوى بطني، تم تشخيصي بسرطان اللمفوما الغير هورجكن
وسيتم معالجتي بالكيمياوي على مدار 8 مراحل مختلفة من 8 أشهر، إلى سنة
إذا وقعت في فخ ذلك الخبيث!! ذلك الذي نسمع عنه ولا نتخيله داخلنا
يا إلهي أعني ماذا سأفعل؟ كيف أخبر أمي؟ كيف ستكون الأشهر القادمة؟؟
أليس هذا هو الذي يفقد المريض شعره ووزنه؟ أليس الكيمياوي السبب في الاستفراغ
المتواصل والوجع الشديد؟
كانت ليلة طويلة، سيطر عليها الخوف! لم يكن خوفا من الموت، كان خوفا من ترك
الحياة..

خوفا من ردة فعل أمي على هذا الخبر، تراها ستتحمل؟ هل ستطلب مني العودة إلى
الوطن؟
كانت صديقاتي قد أرسلن التقرير الطبي الأول إلى أطباء في كل من كندا، أمريكا،
وإيطاليا..كلهم أجمعوا بأن أبدأ بالعلاج فورا دون تأخير لأن المرض كان يتكاثر
بسرعة قصوى!
إذا هو سباق؟ فليكن أيها الخبيث.. أنت بدأت الحرب وأنا امرأة لا أقبل الاحتلال فما
بالك وأنت تحاول احتلالي..
صباح اول جرعة كيمياوي مر عليا الطاقم الطبي وأذكر أنني قلت لطبيبي
: عندي
برنامج لحياتي، يمكنني تأجيله لثمانية أشهر أو سنة، لكن النهاية لن تكون هكذا..قم
بما يلزم لاخراجه وأنا جاهزة للتحدي

أول ابرة تدخل وريدي، أول قطرة تسيلُ في عروقي..ذلك الكيس المغلف باللون
البني، سحقا إنه فعلا مؤلم!
يحرق كل ما يعترضه..نار تلتهب في داخلي، نبضي يتسارع وأكاد أسمع دقات
قلبي وحتى حركة جريان الدم في جسمي أسمعها داخل دماغي
أشعر بعظامي تتفتت في الداخل..
حلقي جاف وصوتي مبحوح، جلدي يتشقق..ماذا يحدث لي؟
مرت الأسابيع والأشهر بطيئة، كئيبة..شحّت الزيارات وكثرت جلساتي مع نفسي، مراجعاتي، قراءاتي
ندمت كثيرا على كل مافوته أيام صحتي وعافيتي، عندما كان أمامي خيارات أكثر
وآفاق أوسع..
ندمت أنني لم أسافر اكثر، ان أرى عائلتي أكثر، ان أكتب أكثر، ان أحب أكثر، أن
أعيش أكثر

الآن أشعر بأن الله منحني حياة جديدة وفرصة جديدة لأرتب اولوياتي، لذلك أول
قراراتي ستكون أن أحب نفسي، أن افهمها، سأفعل كل ما أحب..عائلتي هي كل ما
أحب أيضا..
أيقنت أن السرطان ليس مرض ..هو وقفة تصالح مع الذات والآخر…هو أن
تفهم جسمك وتتقبله…هو أن تعرف من دائرة محيطك التي تضيق وتضيق
لتشارف على الانعدام إلا ممن يكنّون لك الحب الحقيقي…السرطان يعلمك
كيف تغير نظرتك للأشياء حتى تلك التي آمنت بعدم تخليها عنك مهما كانت
الظروف…فتصبح انت من يتخلى عن الأشياء وأحيانا كثيرة عن الأشخاص..
لأنك تكتشف اخيرا انك الحلقة الأقوى..انك الأهم..انك الحب…انك
الحياة…انك الأجمل..وتعشق ذاتك للدرجة التي تقرر انت ورأسك الاصلع
وجسمك الواهن وجلدك الجاف وعروقك المحترقة بجرعات الكيمياوي ان
تقاوموا كلكم ذلك الخبيث المستوطن…فقط لأنني ايقنت بأنني أستحق الحياة
عندما اراجع تجربتي مع السرطان أجدني ممتنة له
فبفضله تعلمت الكثير، اشياء لم اتوقع حدوثها
تعلمت أن ورقة امتحان الدنيا يمكن أن تُسحب في اي لحظة دون سابق إنذار.. تعلمت
أن العطاء هو اجمل ما في الحياة..ان تمنح بسمة لشخص ما تساوي عنده أيام من القوة
قررت أنني استحق الحياة فقاومت طويلا، ضعفت احيانا لكن رغبتي بالعيش كانت
اقوى من المرض وأشد من الوجع..كان من سوء حظ السرطان أنني امرأة بسبعة
أرواح
لن اشكر من وقفوا إلى جانبي حتى برسالة اطمئنان، فأنتم جددتم معنوياتي كلما
ضعفت..لن اشكركم لأنني لن أجد التعابير المناسبة لذلك
لكنني اشكر من كل قلبي كل من تخلى عني..فأنتم أخرجتم تلك المحاربة الشرسة في
داخلي، استفززتم روح التحدي التي تسككني
الساعة 3 فجرا… اعجز عن النوم..اخر جرعة كيمياوي…شعور لا استطيع
وصفه..هو الانتصار..هو الوجع…هو الخوف الممزوج بالفرح..هو حياة جديدة..هو
مجهول…هو أسئلة لامتناهية.. هو شوق للحياة…هو نهاية تجربة بحلوها
ومرها…بألمها واكتشافاتها…
رحلة تعلمت خلالها الكثير…تعلمت أن أحب نفسي…ان أحب الحياة..ان اقدر
الوقت…ان أفخر بكل ما املك وان كان ابسط الاشياء…هي ليلة ان أنساها
ماحييت..هي تجربة غيرت مسار حياتي..قد تكون صعبة للغاية لكنني نجحت في
إتمام المشوار لآخره..في انتظار نتيجة التحاليل النهائية..مهما كانت سأكون فخورة
بنفسي..فخورة بعزيمتي..واجهته وانتصرت…كان قويا وكنت اقوى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.